أحمد بن محمود السيواسي
129
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
عهود لهم حقيقة ، لأنهم لا يوفون بها ، وبكسر الهمزة « 1 » ، أي لا تصديق لهم في دينكم ، قيل : « فيه دليل على أن الذمي إذا طعن دين الإسلام طعنا ظاهرا جاز قتله » « 2 » ، لأن العهد قد انعقد على أن لا يطعن فإذا طعن فقد نكث عهده وخرج من الذمة ، وبه استشهد أبو حنيفة أن يمين الكافر لا يكون يمينا لقوله « لا أَيْمانَ لَهُمْ » ، فلا يوجب الكفارة على الكافر إذا حنث ، وقال الشافعي : يكون يمينا بدليل وصفها بالنكث ، فيوجب الكفارة على الكافر إذا حنث « 3 » ، وهذا الخلاف انما يظهر إذا أسلم بعد انعقاد اليمين وحنث فيه ، فالمعنى : فإنهم إذا طعنوا في دينكم فقاتلوهم ( لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ) [ 12 ] أي لكي ينتهوا عن نقض العهد والكفر . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 13 ] أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَ تَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 13 ) ثم حث المؤمنين على قتال المشركين قبل فتح مكة بقوله ( أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ ) أي عهودهم قبل انقضاء أجلها « 4 » ( وَهَمُّوا ) أي قصدوا ( بِإِخْراجِ الرَّسُولِ ) من مكة بعد المشاورة في أمره بدار الندوة ، خطاب للذين قعدوا عن المقاتلة ، والاستفهام تقرير بانتفائها توبيخا على تركها ووهنها ، المعنى : أنكم مستقرون على ما كنتم عليه من عدم المقاتلة بعد ، فما لكم لا تقاتلونهم ( وَهُمْ بَدَؤُكُمْ ) بالقتال ( أَوَّلَ مَرَّةٍ ) بنقض العهد ، لأنهم بدؤا بقتال خزاعة لمعاونة بني بكر عليهم وخزاعة كانت حلفاء النبي عليه السّلام ، فكانت البداية منهم في نقض العهد ، ثم وبخهم على خوفهم من المشركين الناكثين بقوله ( أَ تَخْشَوْنَهُمْ ) فلا تقاتلوهم ( فَاللَّهُ أَحَقُّ ) أي أحرى من غيره ( أَنْ تَخْشَوْهُ ) بالهيبة في ترك أمره فقاتلوا أعداءه ( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) [ 13 ] أي مصدقين به وبوعده . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 14 ] قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ( 14 ) ثم وعد لهم النصرة تشجيعا لهم عليهم بقوله ( قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ ) أي يقتلهم بسببكم ويهزمكم ( وَيُخْزِهِمْ ) أي ويذلهم بالأسر والقتل ( وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ ) أي على قريش ( وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ) [ 14 ] وهم خزاعة ، طائفة من اليمن جاؤوا مكة فأسلموا فلقوا أذى كثيرا من أهل مكة ، فشكوا إلى رسول اللّه عليه السّلام فقال أبشروا ! فان الفرج قريب ، أي ويبرئ داء قلوبهم ويفرحهم بقتلهم وأسرهم . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 15 ] وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 15 ) ( وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ) أما لقوا منهم من المكاره وقد حصل اللّه لهم هذه المواعيد كلها ، فدل ذلك على صحة نبوة رسول اللّه وصدقه ( وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ ) أي على ناس من أهل مكة ، وقد أسلم كثير منهم وحسن أسلامه ( وَاللَّهُ عَلِيمٌ ) أي يعلم « 5 » ما سيكون كما يعلم ما كان ( حَكِيمٌ ) [ 15 ] لا يفعل إلا ما اقتضته حكمته وعلمه . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 16 ] أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 16 ) قوله ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا ) نزل حين أمر اللّه المؤمنين بقتال المشركين ، فشق ذلك على بعضهم « 6 » ، فقال تعالى : أظننتم أن تتركوا على الإيمان أيها المؤمنون ولم تبتلوا بالأمر بالقتال ( وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ ) بعلم « 7 » التمييز في الوجود ( الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ ) من الذين لم يجاهدوا وإن كان اللّه عالما بعلم « 8 » الغيب إياه لكنهم لم يستحقوا الثواب
--> ( 1 ) « لا أيمان » : قرأ ابن عامر بكسر الهمزة وبعدها ياء ساكنة مدية ، والباقون بفتح الهمزة وبعدها ياء ساكنة غير مدية . البدور الزاهرة ، 134 . ( 2 ) هذا منقول عن الكشاف ، 2 / 183 . ( 3 ) أخذه عن الكشاف ، 2 / 183 . ( 4 ) أجلها ، ب م : آجالها ، س . ( 5 ) أي يعلم ، م : يعلم ، ب س . ( 6 ) نقله المؤلف عن السمرقندي ، 2 / 38 . ( 7 ) بعلم ، ب س : يعلم ، م . ( 8 ) بعلم ، ب س : يعلم ، م .